ثقافة وآراء

في إرضاء الناس… وليتك تسلم – كتب الأستاذ كمال الحلاني

المحامي والأديب كمال الحلّاني

استوقفني القول الشهير: «ارضاء الناس غاية لا تدرك .. و إرضاء الله غاية لا تترك .. فاترك ما لا يدرك وادرك ما لا يترك».
صحيح أنّ المجد الحقيقي العظيم في هذه الحياة… هو في أن نُرضي الله…!
فمعظمنا يقضي حياته في إرضاء الآخرين، مع العلم أن إرضاء الناس غاية مستحيلة الإدراك؛ ونستشهد بذلك ما عاناه الرسل والأنبياء مع الناس في التاريخ. فالناس من معادن مختلفة؛ لذا من الغايات التي لا تدرك أبداً هي رضاؤها وإرضاؤها، متذكراً قوله تعالى: «وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ» (سورة المؤمنون – 23 ).
كما استقطبني مزمور رائع للنبي داوود في سياق إرضاء الله عزّ وجلّ والإتكال عليه: «الرب راعيّ… فلا يعوزني شيء… في مراع خضر يربضني الى مياه الراحة يوردني… يرد نفسي… يهديني إلى سبل البر من أجل اسمه… أيضا إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شراً، لأنك أنت معي. عصاك وعكازك هما يعزيانني» (سفر المزامير- 23).
غير أننا نقضي معظم حياتنا في إرضاء الناس… أكثر من إرضاء الله…
ونستثمر الكثير من طاقاتنا الجسدية والفكرية والعاطفية… في تقديم مياه راحة للآخرين… أو عصا أو عكازاً … سنداً لهم…
وبعدها… ماذا نلقى!
ربما نلقى… الإساءة !!
في هذا المجال، سئل أحد الحكماء: لماذا أحسنت الى من اساء اليك؟
فقال: لأنني بالاحسان، أجعل… حياته أفضل… ويومي أجمل ومبادئي أقوى وروحي أنقى ونفسي أصفى!
هي الناس هكذا…
فالبشر على أنواع…
والطينة تختلف…
منهم من خلق بضمير مستتر تقديره غائب؛ والأخلاق وتقدير المكارم عندهم مثل قطع الأكسسوار، يتزينون بها كربطة العنق حسب الظرف والحاجة أو يتغنّون بها في بعض المناسبات لغاية في نفس يعقوب… ثم يرمونها في ظروف أخرى ليفوح عتن جحورهم وجحودهم.
وبعض الناس ملائكة بالفطرة، ينضح إناؤهم طيباً وأصالة…، ومكارم أخلاقهم، بخور قداسة لمسار حياة… !

ولعلّ أجمل ما قرأت في هذا المضمار هو التالي:
سأل حاتمُ الأصم، وكان من الحكماء، الإمامَ أحمد بن حنبل : كيف السبيل إلى السلامة من الناس؟
فأجاب تعطيهم مالك… ولا تأخذ من مالهم!
ويؤذونك… ولا تؤذيهم!!
وتقضي مصالحهم… ولا تكلفهم بقضاء مصالحك !!!
قال حاتم: هذا صعب يا إمام
فأجاب: وليتك تسلم !
لذلك رضآ الناس غاية لا تُدرك .. فإنشغِل برضا الله لا برضا خلقه…! واعفو عن زلّاتهم مهما صدر منهم، لأنّهم بالنهاية بشر ضِعاف النفوس … فينتصر فيك الإنسان الّذي بداخلك!

Spread the love
  • 9
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    9
    Shares

إخترنا لكم

إغلاق