ثقافة وآراء

عشر سنوات على رحيل محمود درويش: شاعر حب أيضاً

كتب احمد بزّون

عشر سنوات على رحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش، مناسبة للنظر من مسافة أبعد إلى أهمية هذا الشاعر الذي ضج العالم به وبشعره، فكرمه وترجم قصائده إلى أهم لغاته، لكن رحلة الشاعر بين فلسطين والعالم حملت الكثير من الأسئلة التي تداولها كثيرون، وحاول الشاعر نفسه أن يجيب عن بعضها، ومع ذلك بقيت حاضرة بقوة.
السؤال الذي أثار جدلاً في أكثر من مناسبة هو: هل استمتع محمود درويش بلقب “شاعر فلسطين” أو “شاعر القضية” أو “عاشق فلسطين” وسواها من ألقاب، أم أنه اعتبر ذلك “عبئاً” حاول التخلص منه في المراحل الأخيرة من حياته؟
ربما كان هذا السؤال أكثر انتشاراً بعد دواوين “الجدارية” و”لاعب النرد” و”لماذا تركت الحصان وحيداً” و”سرير الغريبة” وسواها من قصائد متفرقة اختفى فيها ذكر فلسطين، وتحوّل عنها شاعر القضية بامتياز نحو الذات أو الحياة أو الإنسان أو الكون، أو سوى ذلك من المفردات التي تختص بقضايا إنسانية وكونية عامة، تتخطى القضية الفلسطينية إلى قضايا أكثر اتساعاً، وبعيداً عن أطر الالتزام المحددة. فالشاعر الفلسطيني الكبير بات يفكر أكثر بطبيعة الشعر الذي يكتبه، فهو طرح على نفسه سؤال الحداثة الشعرية العربية منذ خرج من فلسطين المحتلة، خصوصاً في إقامته بلبنان، ثم في مرحلة لاحقة جدد اهتمامه بالحداثة الشعرية الغربية أكثر عندما أقام في باريس في منتصف الثمانينيات، المدينة التي أخرج فيها جان بول سارتر الشعر من دائرة الالتزام.
وبالفعل، لم يعد محمود درويش مهتماً بصرخته “سجل أنا عربي” بعدما تحول إلى الشعر الحديث الخافت الصوت، وقد صرح أكثر من مرة بذلك، وكان يتهرب من قراءتها في أمسياته الشعرية، حتى قال لأحد الحاضرين مرة في أمسية له، عندما ألح عليه أن يقرأ القصيدة: “سجل أنت يا أخي”. لكنه في العام 2002، وعندما وقف في المدينة الرياضية ببيروت، أمام 25 ألف مشاهد جاؤوا يسمعون شعره لمناسبة يوم فلسطين وجد نفسه محرجاً فطبيعة الجمهور تفرض نفسه في كثير من الأحيان.
لا يعني ذلك أن محمود درويش تخلى عن القضية، فهو وإن شعر بانكسار عند خروجه من بيروت عام 1982، ثم رفض اتفاقية أوسلو، وخرج من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكانت له مواقف تُشعر المتابع بأنه لم يعد ذلك الشاعر الملتحم بيوميات القضية كما كان من قبل، ولم يكن مؤمناً بأن الشعر يستطيع أن يغير العالم أو يستعيد فلسطين… غير أنه بقي مهموماً بفلسطين، وبقضيته بصوت أكثر خفوتاً، لا لإقصائها، إنما بحثاً عن أسلوب أكثر رقياً لحضورها في شعره. كان همه أن يحكم عليه كشاعر قبل أن يحكم عليه كشاعر مقاومة أو كهوية سياسية، فلم يعد جائزاً اليوم القول إن الكلمة يمكن أن تكون سيفاً أو رصاصة أو سلاحاً فتاكاً كما كانت ذات عصر.
يحق لمحمود درويش أن يكون ساخراً وشاعر حب وشاعر ذات بالإضافة إلى كونه شاعر قضية، ثم كما قال، إذا كتب قصيدة عن التفاحة فللتفاحة شجرة، وللشجرة أرض، وأي أرض عنده هي فلسطين، وأي زيتون عنده زيتون فلسطين.

إخترنا لكم

إغلاق